أبو الليث السمرقندي

246

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ يعني : ما أعطيتم من الدنيا فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي : منفعة الحياة الدنيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أي : ما عند اللّه في الآخرة من الثواب والكرامة ، خير وأبقى . يعني : أدوم . ثم بين لمن يكون ذلك الثواب فقال : لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي : يثقون به تعالى ، ويفوضون الأمر إليه . قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وهذا نعت المؤمنين أيضا ، الذين يجتنبون كبائر الإثم ، والفواحش . قرأ حمزة والكسائي ( كبير الإثم ) بغير ألف ، بلفظ الواحد ، لأن الواحد يدل على الجمع ، والباقون ( كبائر ) وهو جمع كبيرة ، والكبيرة : ما أوجب اللّه تعالى الحد عليها في الدنيا ، أو العذاب في الآخرة . ثم قال : وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ يعني : إذا غضبوا على أحد يتجاوزون ، ويكظمون الغيظ . ثم قال : وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ يعني : أجابوا وأطاعوا ربهم فيما يدعوهم إليه ، ويأمرهم به . وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني : أتموا الصلوات الخمس ، في مواقيتها وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ يعني : إذا أرادوا حاجة ، تشاوروا فيما بينهم . وروي عن الحسن أنه قال : هم الذين إذا حزبهم أمر ، استشاروا أولي الرأي منهم وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ يعني : يتصدقون في طاعة اللّه . ثم قال : وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ يعني : الظلم هُمْ يَنْتَصِرُونَ أي : ينتقمون ويقتصون . روى سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم أنه قال : كانوا يكرهون أن يستذلوا ، ويحبون العفو إذا قدروا . قوله تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها يعني : يعاقب مثل عقوبته لغيره فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ يعني : عفا عن مظلمته ، وأصلح بالعفو فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ يعني : ثوابه على اللّه إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ يعني : لمن يبدأ بالظلم . روي عن زيد بن أسلم ، أنه قال : كانوا ثلاث فرق ، فرقة بالمدينة ، وفرقتان بمكة ، إحداهم تصبر على الأذى ، والثانية تنتصر ، والثالثة تكظم ، فنزلت الآية : وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ نزلت في الذين بالمدينة وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ نزلت في الذين ينتصرون وقوله : فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ نزلت في الذين يصبرون . فأثنى اللّه تعالى عليهم جميعا . قوله عز وجل : وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ثم نزل في